الشيخ حسن أيوب

117

الحديث في علوم القرآن والحديث

نزّهوا الأسماع عن سماعها ، والألسنة عن ذكرها فضلا عن الفرار منها ، ومن التلوث برجسها . كتب اللّه لنا الحفظ والعصمة إنه ولي كل نعمة وتوفيق . شبه أبي مسلم في إنكار النسخ والرد عليها النقل عن أبي مسلم مضطرب ، فمن قائل : إنه يمنع وقوع النسخ على الإطلاق ، ومن قائل : إنه ينكر وقوعه في شريعة واحدة ، ومن قائل : إنه يمكن وقوعه في القرآن خاصة ، ورجّحت هذه الرواية الأخيرة بأنها أصح الروايات ، وبأن التأويلات المنقولة عنه لم تخرج عن حدود ما نسخ من القرآن ، وأبعد الروايات عن الرجل هي الرواية الأولى ؛ لأنه لا يعقل أن مسلما فضلا عن عالم كأبي مسلم ينكر وقوع النسخ جملة ، اللهمّ إلا إذا كانت المسألة ترجع إلى التسمية فقط ؛ فإنها تهون حينئذ ، على معنى أن ما نسميه نحن نسخا ، يسميه هو تخصيصا بالزمان مثلا ، وإلى ذلك ذهب بعض المحققين . قال التاج السبكي : إن أبا مسلم لا ينكر وقوع المعنى الذي نسميه نحن نسخا ، ولكنه يتحاشى أن يسميه باسمه ، ويسميه تخصيصا . . اه . احتج أبو مسلم بقوله : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ سورة فصلت آية : 42 ] . وشبهته في الاستدلال : أن هذه الآية تفيد أن أحكام القرآن لا تبطل أبدا . والنسخ فيه إبطال لحكم سابق . وندفع مذهب أبي مسلم وشبهته بأمور أربعة : أولها : أنه لو كان معنى الباطل في الآية هو متروك العمل به مع بقاء قرآنيته ، لكان دليله قاصرا عن مدّعاه ؛ لأن الآية لا تفيد حينئذ إلا امتناع نوع خاص من النسخ وهو نسخ الحكم دون التلاوة ؛ فإنه وحده هو الذي يترتب عليه وجود متروك العمل في القرآن ، أما نسخ التلاوة مع الحكم أو مع بقائه فلا تدل الآية على امتناعه بهذا التأويل . ثانيها : أن معنى الباطل في الآية ما خالف الحق ، والنسخ حق ، ومعنى الآية : أن عقائد القرآن موافقة للعقل ، وأحكامه مسايرة للحكمة ، وأخباره مطابقة للواقع ، وألفاظه محفوظة من التغيير والتبديل ، ولا يمكن أن يتطرق إلى ساحته الخطأ بأي حال : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ سورة الحجر آية : 9 ] ، وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [ سورة الإسراء آية : 105 ] . ولعلك تدرك معي أن تفسير الآية بهذا المعنى يجعلها أقرب إلى إثبات النسخ ووقوعه منها إلى نفيه وامتناعه ؛ لأن النسخ - كما قررنا - تصرف إلهي حكيم تقتضيه الحكمة